Posts filed under 'مواضيع دينية'
ماذا فعل السلف في رمضان

قبل أن نبحث عما يجب ان نجتهد فيه خلال هذا الشهر المبارك يجب أن نطوف سريعا على بعض المزايا والبركات التي اختص بها الله سبحانه وتعالي هذا الضيف الكريم مما ورد في سنة النبي محمد صلي الله عليه وسلم:
خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك”
تستغفر الملائكة للصائمين حتى يفطروا”
“شهر يزين الله فيه في كل يوم جنته ويقول: يوشك عبادي الصالحون أن يلقوا عنهم المؤونة والأذى ثم يصيروا إليك”
“شهر تصفد فيه الشياطين
تفتح ابواب الجنة، وتغلق أبواب النار”
فيه ليلة القدر هي خير من ألف شهر، من حرم خيرها فقد حرم الخير كله.”
يغفر الله للصائمين في آخر ليلة من رمضان.
“لله عتقاء من النار، وذلك كل ليلة من رمضان”
قراءة القرآن:
كان الامام الشافعي في رمضان يختم القرآن 60 مرة ..أي يختمه مرتين يوميا، وكان الامام احمد يغلق الكتب ويقول هذا شهر القرآن.. وكان الامام مالك بن انس لا يفتي ولا يدرس في رمضان ويقول هذا شهر القرآن.
احتضر احد السلف فجلس ابناءه يبكون فقال لهم: لا تبكوا فوالله لقد كنت اختم في رمضان في هذا المسجد عند كل سارية 10 مرات ..وكان في المسجد 4 ساريات..اي ختم 40 مرة في رمضان..
كان بعض السلف الصالح يحيي ليله بقراءة القرآن فمر عليه احد تلاميذه..فسمعه يردد “ان الذين ءامنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا” فأخذ يكرر الآية حتى طلع الفجر.. فذهب اليه تلميذه بعد صلاة الفجر وسأله عما رآه..فقال له: استر علي ما رأيت.
فقال استره عليك مادمت حيا ..ولكن اخبرني بخبرك.
فقال: عندما كنت ارددها نازل قلبي الود الذي بين العبد وربه..فأخذت أتلذذ بذلك الود..وكلما كررت الآية ازداد ذلك الود في قلبي!!
صلاة القيام (التراويح):
احرص اخي المسلم على صلاة القيام في هذا الشهر فقد كان قيام الليل دأب النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، قالت عائشة رضي الله عنها: « لا تدع قيام الليل، فإن رسول الله كان لا يدعه، وكان إذا مرض أو كسل صلى قاعداً » .
وكان صلى الله عليه وسلم يقول لأمنا عائشة: ألك حاجة فتقول رضي الله عنها: فداك ابي وامي وهل لي عنك غنى..ولكني اوثر حبك لربك وشوقك للوقوف بين يديه. فبقوم اليل كله حتى يستأذنه بلال رضي الله عنه للآذان. وكان عثمان بن عفان يختم القرآن كل ليلة من رمضان!!
وكان عمر بن الخطاب يصلي من الليل ما شاء الله حتى إذا كان نصف الليل أيقظ أهله للصلاة، ثم يقول لهم الصلاة الصلاة.. ويتلو: { وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى } [طه:132] وكان ابن عمر يقرأ هذه الآية: أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ [الزمر:9].
الصدقة:
كان رسول الله أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان، كان أجود بالخير من الريح المرسلة.. وقد قال صلى الله عليه وسلم : « أفضل الصدقة صدقة في رمضان.. » [أخرجه الترمذي عن أنس].
روى زيد بن أسلم عن أبيه قال « سمعت عمر بن الخطاب يقول: أمرنا رسول الله أن نتصدق ووافق ذلك مال عندي، فقلت اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يوماً، قال فجئت بنصف مالي، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما أبقيت لأهلك ، قال: فقلت مثله، وأتى أبو بكر بكل ما عنده فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما أبقيت لهم؟ قال: أبقيت لهم الله ورسوله، قلت: لا أسابقك إلى شيءٍ أبداً. »
تفطير الصائم :
قال صلى الله عليه وسلم : « من فطر صائماً كان له مثل أجره غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيء » [أخرجه أحمد والنسائي وصححه الألباني] وفي حديث سلمان: « من فطر فيه صائماً كان مغفرة لذنوبه وعتق رقبته من النار، وكان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجره شيء ، قالوا: يا رسول الله ليس كلنا يجد ما يفطر به الصائم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يعطي الله هذا الثواب لمن فطر صائماً على مذقة لبن أو تمرة أو شربة ماء، ومن سقى صائماً سقاه الله من حوضي شربة لا يظمأ بعدها، حتى يدخل الجنة » .
وكان كثير من السلف يؤثر بفطوره وهو صائم منهم عبد الله ابن عمر رضي الله عنهما، وداود الطائي ومالك بن دينار، وأحمد بن حنبل، وكان ابن عمر لا يفطر إلا مع اليتامى والمساكين، وربما علم أن أهله قد ردوهم عنه فلم يفطر في تلك الليلة.
وكان من السلف من يطعم إخوانه الطعام وهو صائم ويجلس بخدمهم ويروّحهم… منهم الحسن وابن المبارك.
قال أبو السوار العدوي: ( كان رجال من بني عدي يصلون في هذا المسجد، ما أفطر أحد منهم على طعام قط وحده، إن وجد من يأكل معه أكل، وإلا أخرج طعامه إلى المسجد فأكله مع الناس وأكل الناس معه ).
وعبادة إطعام الطعام، ينشأ عنها عبادات كثيرة منها: التودد والتحبب إلى إخوانك الذين أطعمتهم فيكون ذلك سبباً في دخول الجنة: « لن تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولن تؤمنوا حتى تحابوا » . كما ينشأ عنها مجالسة الصالحين واحتساب الأجر في معونتهم على الطاعات التي تقووا عليها بطعامك.
شهر الاخلاص:
شهد ابن المبارك احد المعارك فتقدم احد الكفار وطلب المبارزة..فخرج له احد المسلمين.. فقتله..فخرج آخر فقتله احد المسلمين ثم ظهر آخر..فخرج فارس ملثم واخذ يقاتل الكافر حتى قتله..فأقبل عليه المسلمون فشد على لثامه فجاء احدهم وشد اللثام فرأوه ابن المبارك..فغضب وقال: ما زلت تتبعنا حتى تفشي سرنا مع الله.
بنى احد الصالحين مسجدا..فنسب الى الوكيل الذي اشرف على بنائه..فذهب بعض الناس وقالوا له: لماذا تسكت ولا تنسب المسجد اليك. فقال: لأن الذي بنيت لأجله المسجد يعلم!
د:عمر خالد
Add comment اغسطس 24, 2009

إن الفضل العظيم الذى يربطه الاسلام بشهر رمضان غير مسبوق لغيره من شهور العام, وهو يدل على رحمة الله التى وسعت كل شئ و سبقت غضبه و عذابه. و للقرآن الكريم مكانة اساسية فى خصوصية هذا الشهر عند الله, فيقول الله تعالى:
﴿شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِى أُنزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْآنُ هُدًى لّلنَّاسِ وَبَيِّنَـٰتٍ مِّنَ ٱلْهُدَىٰ وَٱلْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ ٱلْعِدَّةَ وَلِتُكَبّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة:185]
ففى رمضان كان حدثان رئيسيان ربطا شهر رمضان بالقرآن؛ ففي ليلة السابع عشر من رمضان و النبي صلى الله عليه وسلم في الأربعين من عمره أذن الله عز وجل للنور أن يتنزل، فإذا جبريل عليه السلام آخذ بالنبي صلى الله عليه وسلم يقول له: اقرأ! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “ما أنا بقارئ قال فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال اقرأ قلت ما أنا بقارئ فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال اقرأ فقلت ما أنا بقارئ فأخذني فغطني الثالثة ثم أرسلني فقال { اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم } فرجع بها رسول الله صلى اللهم عليه وسلم يرجف فؤاده” [ البخاري] وهكذا نزلت أول آية من هذا الكتاب العظيم على النبي في هذا الشهر العظيم.
و من قبل ذلك شهد هذا الشهر الكريم نزول القرآن جملة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في السماء الدنيا، وكان ذلك في ليلة القدر … (إنا أنزلناه في ليلة القدر) (إنا أنزلنا في ليلة مباركة) ،قال ابن عباس: أنزل القرآن جملة واحدة إلى سماء الدنيا ليلة القدر ثم أنزل بعد ذلك في عشرين سنة [النسائي و الحاكم].
و هكذا صارت ايام رمضان المباركة موعدا لتغيير وجه البشرية بإستقبال القرآن الكريم, فصار شهر رمضان هو شهر القرآن, و صارت تلاوة القرآن و دراسته فى هذا الشهر المبارك من اعظم الاعمال اجرا و اكثرها مقربة لله.
شفاء و رحمة للمؤمنين
إن القرآن الكريم هو كلام الله المتعبد بتلاوته و لهذا يعطى الله اجرا عظيما و مكانة عالية لقارئ القرآن.
قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَـٰبَ ٱللَّهِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً يَرْجُونَ تِجَـٰرَةً لَّن تَبُورَ * لِيُوَفّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مّن فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ فاطر:29
قال ابن كثير: “يخبر تعالى عن عباده المؤمنين الذين يتلون كتابه، ويؤمنون به، ويعملون بما فيه من إقام الصلاة والإنفاق مما رزقهم الله تعالى في الأوقات المشروعة ليلاً ونهاراً، سراً وعلانية ﴿يَرْجُونَ تِجَـٰرَةً لَّن تَبُورَ﴾ أي يرجون ثواباً عند الله لا بد من حصوله”
وقال عز وجل: ﴿إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْءانَ يِهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ وَيُبَشّرُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلصَّـٰلِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا * وأَنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمً﴾ الإسراء:9
قال ابن جرير: “يقول تعالى ذكره إن هذا القرآن الذي أنزلناه على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم يرشد ويسدد من اهتدى به ﴿لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ﴾ يقول: للسبيل التي هي أقوم من غيرها من السبل، وذلك دين الله الذي بعث به أنبياءه وهو الإسلام، يقول جل ثناؤه: فهذا القرآن يهدي عباد الله المهتدين به إلى قصد السبيل التي ضل عنها سائر أهل الملل المكذبين به”.
وقال تعالى: ﴿وَنُنَزّلُ مِنَ ٱلْقُرْءانِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ ٱلظَّـٰلِمِينَ إَلاَّ خَسَارً﴾الإسراء:82.
قال ابن جرير: “يقول تعالى ذكره: وننزل عليك يا محمد من القرآن ما هو شفاء يستشفى به من الجهل من الضلالة، ويبصر به من العمى للمؤمنين ورحمة لهم دون الكافرين به؛ لأن المؤمنين يعملون بما فيه من فرائض الله، ويحلون حلاله، ويحرمون حرامه فيدخلهم بذلك الجنة، وينجيهم من عذابه فهو لهم رحمة ونعمة من الله أنعم بها عليهم ﴿وَلاَ يَزِيدُ ٱلظَّـٰلِمِينَ إَلاَّ خَسَارً﴾ يقول: ولا يزيد هذا الذي ننزل عليك من القرآن الكافرين به إلا خساراً، يقول: إهلاكاً؛ لأنهم كلما نزل فيه أمر من الله بشيء أو نهي عن شيء كفروا به، فلم يأتمروا لأمره، ولم ينتهوا عما نهاهم عنه فزادهم ذلك خساراً إلى ما كانوا فيه قبل ذلك من الخسار رجساً إلى رجسهم قبل”.
وقال سبحانه: ﴿ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ كِتَـٰباً مُّتَشَـٰبِهاً مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ ذَلِكَ هُدَى ٱللَّهِ يَهْدِى بِهِ مَن يَشَاء وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ الزمر:23.
قال ابن كثير: “هذا مدح من الله عز وجل لكتابه القرآن العظيم المنزل على رسوله الكريم”
وقال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي: “فأحسن الحديث كلام الله، وأحسن الكتب المنزلة من كلام الله هذا القرآن، وإذا كان هو الأحسن عُلم أن ألفاظه أفصح الألفاظ وأوضحها، وأن معانيه أجل المعاني؛ لأنه أحسن الحديث في لفظه ومعناه متشابهاً في الحسن والائتلاف وعدم الاختلاف بوجه من الوجوه حتى إنه كلما تدبره المتدبر، وتفكر فيه المتفكر رأى من اتفاقه حتى في معانيه الغامضة ما يبهر الناظرين، ويجزم بأنه لا يصدر إلا من حكيم عليم”.
مع السفرة الكرام البررة
ولقد أكد رسول الله صلى الله عليه و سلم على فضل قرآة القرآن و تعلمه في مواطن عديدة من سيرته العطرة.فعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم”:مثل الذي يقرأ القرآن كالأترجة طعمها طيب وريحها طيب، والذي لا يقرأ القرآن كالتمرة طعمها طيب ولا ريح فيها، ومثل الفاجر الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مرّ، ومثل الفاجر الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة طعمها مر ولا ريح فيه”.
قال ابن بطال: “لما كان ما جمع طيب الريح وطيب المطعم أفضل المأكولات، وشبه النبي صلى الله عليه وسلم المؤمن الذي يقرأ القرآن بالأترجه التي جمعت طيب الريح وطيب المطعم، دل ذلك أن القرآن أفضل الكلام”.
وعن أبي عبد الرحمن السلمي عن عثمان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “خيركم من تعلم القرآن وعلّمه.”
قال ابن بطال: “حديث عثمان يدل أن قراءة القرآن أفضل أعمال البر كلها؛ لأنه لما كان من تَعلّم القرآن أو علمه أفضل الناس وخيرهم دلّ ذلك على ما قلناه؛ لأنه إنما وجبت له الخيرية والفضل من أجل القرآن، وكان له فضل التعليم جارياً ما دام كل من علمه تالياً”.
وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :”لا حسد إلا على اثنتين: رجل آتاه الله الكتاب وقام به آناء الليل، ورجل أعطاه الله مالاً فهو يتصدق به آناء الليل وآناء النهار.”
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران”.
قال القاضي عياض: “يحتمل -والله أعلم- أن له في الآخرة منازل يكون فيها رفيقاً للملائكة السفرة لاتصافه بوصفهم بحمل كتاب الله، ويحتمل أن يكون المراد أنه عامل لعمل السفرة وسالك مسلكهم”.
وعن البراء بن عازب رضي الله عنهما قال: كان رجل يقرأ سورة الكهف وإلى جانبه حصان مربوط بشطَنَيْن، فتغشته سحابة فجعلت تدنو وتدنو، وجعل فرسه ينفر، فلما أصبح أتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فقال: “تلك السكينة تنزلت للقرآن.”
قال النووي: “قد قيل في معنى السكينة هنا أشياء، والمختار منها: أنها شيء من مخلوقات الله تعالى فيه طمأنينة ورحمة، ومعه الملائكة، وفي الحديث فضيلة القراءة وأنها سبب نزول الرحمة وحضور الملائكة، وفيه فضيلة استماع القرآن”.
وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن في الصفة فقال: “أيكم يحب أن يغدو كل يوم إلى بطحان أو إلى العقيق فيأتي منه بناقتين كَوْماويْن في غير إثم ولا قطع رحم؟” فقلنا: يا رسول الله نحب ذلك، قال: “أفلا يغدو أحدكم إلى المسجد فيعلم أو يقرأ آيتين من كتاب الله عز وجل خير له من ناقتين وثلاث خير له من ثلاث، وأربع خير له من أربع ومن أعدادهن من الإبل؟.”
قال أبو العباس القرطبي: “ومقصود الحديث الترغيب في تعلم القرآن وتعليمه، وخاطبهم على ما تعارفوه، فإنهم أهل إبل، وإلا فأقلّ جزء من ثواب القرآن وتعليمه خير من الدنيا وما فيها”.
أجود ما يكون في رمضان
و إن كان لقرآءة القرآن فضلا عظيما في كل الاوقات، فإن فضل دراسة القرآن و تلاوته يتضاعف في رمضان.
فعن ابن عباس قال كان رسول الله صلى اللهم عليه وسلم أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة [ البخاري[.
قال الإمام ابن رجب : دل الحديث على استحباب دراسة القرآن في رمضان والاجتماع على ذلك ، و عرض القرآن على من هو أحفظ له … و فيه دليل على استحباب الإكثار من تلاوة القرآن في شهر رمضان ، وفي حديث فاطمة عليها السلام عن أبيها أنه أخبرها أن جبريل عليه السلام كان يعارضه القرآن كل عام مرة و أنه عارضه في عام وفاته مرتـــين.
ولذلك كان نبينا -عليه الصلاة والسلام- يُعنى بالقرآن عناية خاصة في هذا الشهر المبارك، و حاله – عليه الصلاة والسلام- أنه كان يقرأ القرآن على كل أحواله، كان يقرأ القرآن قائماً وقاعداً ومضطجعاً، و في رمضان – عليه الصلاة والسلام- كان يلقاه جبريل ينزل عليه في رمضان من كل عام فيدارسه القرآن مرة، فلما كان العام الذي توفي فيه- صلوات ربي وسلامه عليه- نزل عليه جبريل فدارسه القرآن مرتين ، فقال -عليه الصلاة والسلام-: “ما أُراني إلا قد حضر أجلي”، ولذلك بعد رمضان بشهرين في حجة الوداع كان يقول للناس: “خذوا عني مناسككم فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا”.
سنحيا بالقرآن
على الرغم من أن القرآن يتعبد بقرآته، إلا أن كلام الله منهج حياة متكامل ولذلك فإن هدفنا في رمضان يجب أن يسمو فوق القراءة المجردة إلى فهم المعانى والعمل على تطبقيها في حياتنا اليومية خاصة وعلى مجتمعاتنا عامة.
فلما لا نشحذ همتنا في رمضان و نعمل على الجمع بين هذه الأعمال المختلفة فيما يخص القرآن:
1-الإكثار من التلاوة و تكرار الختمات ، فنجعل لأنفسنا جدولا بحيث نتمكن من ختم القرآن مرات عديدة لننال خيراتها وثوابها.
2-التأمل و التدبر، فنحرص على مراجعة تفسير ما نقرأه ونتأمل معانيه، و نتبصر في دلالاته واستخراج أوامره و نواهيه ثم العزم على تطبيق ذلك و محاسبة النفس عليه.
3-الحفظ والمراجعة، فنجعل لأنفسنا مقدارا يوميا من الحفظ و مثله من المراجعة، و إن كان أحد قد حفظ و نسي فهي فرصة عظمى لتثبيت الحفظ واسترجاع ما ذهب.
4- مساعدة الغير على قراءة و تدبر معانى القرآن وتطبيقها في حياتهم العملية حتى تعم الفائدة و يظهر أثر القرآن في مجتمعاتنا. فلا نجب أن نكون أنانيين في علاقتنا مع الله، بل يجب أن نحرص على الأخذ بأيدى غيرنا في طريق الخير لأن ديننا ليس دينا فرديا و إنما هو دين يحرص على تزكية الفرد واستقامة المجتمع و ترابطه.
| د: عمر خالد |
Add comment اغسطس 24, 2009
رمضان

اختلف في اشتقاق كلمة رمضان فقيل: إنه من الرمض وهو شدة الحر فيقال: يَرْمَضُ رَمَضاً: اشتدَّ حَرُّه. وأَرْمَضَ الحَرُّ القومَ: اشتدّ عليهم قال ابن دريد: لما نقلوا أَسماء الشهور عن اللغة القديمة سموها بالأَزمنة التي هي فيها فوافَقَ رمضانُ أَيامَ رَمَضِ الحرّ وشدّته فسمّي به. الفَرّاء: يقال هذا شهر رمضان، وهما شهرا ربيع
الصيام من أركان الإسلام ، فيه يمتنع المرء عن الأكل والشراب والجماع, لفترة معينة من أذان الفجر إلى أذان المغرب، وفي رمضان تزكية للنفس وقرب من الله عز وجل وفيه تغلق أبواب النار وتربط الشياطين وتفتح أبواب الرحمة
وكان من هديه صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان الإكثار من أنواع العبادات فكان جبريل يدارسه القرآن في رمضان وكان إذا لقيه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة ( وكان أجود الناس وأجود ما يكون في رمضان ) يكثر فيه من الصدقة والإحسان وتلاوة القرآن والصلاة والذكر والاعتكاف
Add comment سبتمبر 17, 2008
حب الله لعبده

الإمام أبي حامد الغزالي (رحمه الله)
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله تعالى قال: من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه”.
وروى الطبراني في الكبير عن أمامة: يقول الله تبارك وتعالى في الحديث القدسي: (ما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فأكون سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ولسانه الذي ينطق به، وعقله الذي يعقل به، فإذا دعاني أجبته، وإذا سألني أعطيته، وإن استنصرني نصرته، وأحب ما تعبدني به النصح لي).
لا شك أن كل مسلم في هذه الحياة يتمنى محبة الله جل وعلا له ويطمع إلى أن يكون أحد المقربين من الله والنصوص في القرآن والسنة الدالة على محبة الله لعباده المؤمنين كثيرة جدا منها قوله تعالى “يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين . “
ومن الضروري لكل من طلب محبة الله جل وعلا أن يعرف معنى هذه المحبة وما يترتب عليها وبعض العلامات الدالة عليها وهذا ما يعرضه لنا الإمام أبو حامد الغزالي (رحمه الله في كتابه إحياء علوم الدين) فيقول:
إن شواهد القرآن متظاهرة على أن الله تعالى يحب عبده، فلابد من معرفة معنى ذلك، فقد قال تعالى: “يحبهم ويحبونه” وقال: “إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً” وقال: “إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين”
وكذلك رد سبحانه على من ادعى أنه حبيب الله فقال: “قل فلم يعذبكم بذنوبكم” وهذه المحبة لا تفهم إلا بمثال وهو أن الملك قد يقرب عبده من نفسه ويأذن له في كل وقت حضور بساطة لميل الملك إليه، إما لينصره بقوته أو ليستريح بمشاهدته أو ليستشيره في رأيه أو ليهيئ أسباب طعامه وشرابه، فيقال: إن الملك يحبه، ويكون معناه ميله إليه لما فيه من المعنى الموافق الملائم له. وقد يقرب عبداً ولا يمنعه من الدخول عليه لا للانتفاع به ولا للاستنجاد به ولكن لكون العبد في نفسه موصوفاً من الأخلاق المرضية والخصال الحميدة بما يليق به أن يكون قريباً من حضرة الملك وافر الحظ من قربه، مع أن الملك لا غرض له فيه أصلاً، فإذا رفع الملك الحجاب بينه وبينه يقال: قد أحبه، وإذا اكتسب من الخصال الحميدة ما اقتضى رفع الحجاب يقال: توصل وحبب نفسه إلى الملك. فحب الله للعبد يكون بالمعنى الثاني لا بالمعنى الأول.
فإذن محبة الله للعبد هي تقريبه من نفسه سبحانه بدفع الشواغل والمعاصي عنه وتطهير باطنه عن كدورات الدنيا ورفع الحجاب عن قلبه حتى يشاهده كأنه يراه بقلبه.
وقال العلماء: إن محبة الله تعالى لعبده هي إرادته الخير له وهدايته وإنعامه عليه ورحمته.
وقد روى مسلم عن أبي هريرة (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن الله إذا أحب عبداً دعا جبريل، فقال: إني أحب فلاناً فأحبه، قال : فيحبه جبريل ثم ينادي في السماء فيقول: إن الله يحب فلاناً فأحبوه فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض. وإذا أبغض عبداً دعا جبريل فيقول: إني أبغض فلاناً فأبغضه قال: فيبغضه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يبغض فلاناً فأبغضوه، قال: فيبغضونه ثم يوضع له البغضاء في الأرض”
وجاء في صحيح مسلم أن سهيل بن أبي صالح قال: كنا بعرفة فمر عمر بن عبد العزيز وهو على الموسم فقام الناس ينظرون إليه فقلت لأبي: يا أبت إني أرى الله يحب عمر بن عبد العزيز قال: وما ذاك . قلت: لما له من الحب في قلوب الناس، فقال: بأبيك أنت سمعت أبا هريرة يتحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بكذا …. ثم ذكر الحديث السابق.
وأخص علامات حب الله لعبده أن يتولى الله تعالى أمره: ظاهره وباطنه، سره وجهره، فيكون هو المشير عليه، والمدبر لأمره والمزين لأخلاقه، والمستعمل لجوارحه، والمسدد لظاهره وباطنه، والمؤنس له بلذة المناجاة في خلواته، والكاشف له عن الحجب بينه وبين معرفته.
وقد روى أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس من حديث أم سلمة- رضي الله عنها- “إذا أحب الله عبداً جعل له واعظاً من نفسه، وزاجراً من قلبه، يأمره وينهاه”.
ومن علامات حب الله تعالى لعبده أن يضع له القبول والحب من أهل السماء وأهل الأرض- كما مر في الحديث الذي رواه مسلم- فيكرمونه وترتفع منزلته عندهم، كما صنع الله تعالى مع موسى عليه السلام حيث جعل عدوه يحبه، فقال تعالى ممتناً على موسى: “وألقيت عليك محبة مني”
فهذا وأمثاله هو علامة حب الله تعالى للعبد.
2 comments سبتمبر 17, 2008
هل اذا اردنا ان نصلي نتلفض بالنية؟
وددت أن أصحح مفهوم ولو بأسطر
هناك عادات عند بعض الناس لا ندري هل هي من الإسلام أم هي بدعة،هناك بعض الناس يقولون قبل تكبيرة الإحرام للصلاة: نويت أصلي صلاة الظهر -مثلاً- مقتدياً أو إماماً الفرض الحاضر..
من موقع الشيخ ابن باز رحمه الله حكم التلفظ بالنية في الصلاة: هذا لا أصل له بل هو من البدع التي أحدثها بعض الناس، وإن كان قال ذلك بعض أهل العلم المتأخرين لكنه ليس بمشروع، والصواب أنه ينوي الصلاة بقلبه، فلم يثبت على النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا أصحابه -رضي الله عنهم- ولا الأئمة من العلماء في القرون المفضلة ولم يعرف ذلك عن واحدٍ منهم، فلا يقول: نويت أن أصلي الظهر كذا أو العصر كذا …إماماً أو مقتدياً أو منفرداً التلفظ بالنية ليس بمشروع، وقد قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) يعني فهو مردود، وقال عليه الصلاة والسلام: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) وكان يقول في خطبة الجمعة عليه الصلاة والسلام: (أما بعد: فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد -صلى الله عليه وسلم-، وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار )
Add comment مايو 22, 2008
خصائص الأسرة المسلمة
إن العائلة المسلمة التي تريد أن تطبق قوانين الإسلام في الأسرة يجب أن تسودها الأمور التالية بشكل جيّد :
الأمر الأول : تبادل المحبة :
ونقصد به ، تبادل الحُب والعطف بين الزوجين من ناحية ، وبينهما وبين الأولاد من ناحية أخرى ، فإن الأسرة إذا غادرها الحب ، وهجرها العطف ، لا بُدَّ أن تتفاعل فيها عوامل الانهيار والهدم ، فتُهدِّد مصير الأسرة .
ولا بُدَّ أن كل دقيقة تَمرُّ عَبْر حياة هذه الأسرة تنذر بأن تكون هي تلك الدقيقة التي تتحول فيها إلى ركام من أنقاض ورماد ، لأنها تكون دائماً على مسرح خطر معرَّض لِلَهِيب النار ، ولَفَحات البركان .
إن الحب المتبادل يجب أن يرقد في قلب كل واحد من أفراد الأسرة ، حتى يكون قنديلاً يضيء له دروب الحياة ، ونبراساً لمسيرته نحو روافد السعادة وينابيع الازدهار ، ومنابع الخير والنعيم ، ومن ثَمَّ يكون مشعل الحياة الفُضلَى في دَرب الحياة الكبير .
إن الحب المتبادل هو العامل الفَعَّال الذي يدفع كل واحد من أفراد الأسرة إلى أن يتحمَّل مسؤولياته بِرَحَابة صَدْر فكل واحد يشعر بأنه سعيد لأنه يتمتع بعطف الآخرين ، وحُبهم العميق ، ولهذا فإن الإسلام يركّز كثيراً على هذه النقطة .
يؤكد الرسول ( صلى الله عليه وآله ) ذلك بقوله : ( أحِبُّوا الصبيان وارحَمُوهم ) ، لأن الحُبَّ والرحمة عاملان أساسيان في توطيد العلاقات العائلية .
الأمر الثاني : التعاون المشترك :
يجب أن يسود التعاون المشترك في المجالات المختلفة بين أفراد العائلة ، لكي لا تُشَلُّ الأسرة عن حيويتها ونشاطها بصورة مستمرة .
فإن التعاون يكنس الإرهاق ، ويذيب التذمر من تحمل المسؤوليات ، وكذلك يوطد علاقات أفراد الأسرة بعضهم مع بعض ، ولا يدع مجالاً لأن يتسرب التفكك إلى ربوع العائلة المسلمة ، التي تلتزم بمبدأ التعاون ، والتكافل الإجتماعيين .
والتعاون بين أفراد العائلة لا بُدَّ وأن يقود سفينة الحياة نحو مرافئ السعادة ، ونحو موانئ الرفاه ، والهناء ، والدفء .
التعاون لا بُدَّ أن يحقِّق كل الآمال التي يعيشها جميع أفراد العائلة ، ويترجمها على حلبة الواقع العملي .
التعاون لا بُدَّ أن يجسد كل الأماني التي تدور في سراب الأفكار ، فيمثلها مجسمة نابضة بالحياة .
الأمر الثالث : الاحترام المتبادل :
تبادل الاحترام ، والتوقير ، والإحسان ، سواءً من جانب الصغير للكبير ، أو من جانب الكبير للصغير ، يزرع بذور الشعور بالشخصية ، ويغرس أوتاداً توطد العلاقات الأُسَرِيَّة بين الأفراد .
فعلى الوالدين أن يرحما الأولاد ، لكي يحترمهما الأولاد من جانبهم ، وكذلك على الأبناء أن يحترموا الآباء ، ويحترم أحدهم الآخر .
ويؤكد الرسول ( صلى الله عليه وآله ) على هذه الناحية بقوله :” وَقِّروا كِباركم ، وارحَموا صِغاركم ” .
فالإسلام يبني علاقات الأسرة على أساس من الإحسان المتبادل بين الزوج والزوجة ، والزوج والأولاد ، والزوجة والزوج ، والزوجة والأولاد .
ويحدّد القرآن الحكيم طرقاً من هذه العلاقة النبيلة ، حيث يخط ضمن آية من آياته : ( وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ) البقرة : 83 وهو يرفض – حينما يرسم العلاقات الأسرية – أن ينشأ التنافر والتضجر بين أفراد العائلة ، أو ينبت التذمر والابتعاد ، فيحرض دائماً أن يقيم الأولاد علاقاتهم على أساس العطف ، والحنان ، والاحترام ، والإحسان .
فقال تعالى :” وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا ” الإسراء : 23 .
الأمر الرابع : طاعة رَبّ العائلة :
إن إطاعة الأب من قبل جميع أفراد العائلة يمثل النقطة المركزية في الأسرة ، لأنه أعرف – بحكم تجاربه وثقافته – بالمصالح الفردية ، والإجتماعية ، لكل واحد منهم .
وطبيعي أن الإسلام يقرّر الطاعة للأب في حدود طاعة الخالق ، فلو تمرَّد الوالد على مُقرَّرات النظام العام ، وشذَّ عن حدود العقيدة ، وراحت أوامره تنغمس في رافد مصلحي شخصي ، فلا يجوز للأولاد أو الزوجة إطاعته في الأمور العقائدية والدينية .
لأن أوامره لا تحمل حينذاك أية مصونيَّة تقيها من الظلم ، والعصيان والتمرد .
وصرَّح بذلك القرآن الحكيم في قوله : ( وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا ) لقمان : 15 .
فهنا تنقطع العلاقات العقائدية ، والعملية بينهما ، أمَّا علاقات الحب ، والعطف ، والوِدّ ، والإحسان ، فيجب وصلها مع الأب حتى المنحرف فكرياً ، لئلا تنهار الأسرة .
الأمر الخامس : أداء الأب للنفقة :
لا بُدَّ للأب من الإنفاق على العائلة ، وتجهيز الملبس والمسكن للزوجة ، والأولاد ، في مقابل قَيْمومَتِه عليهم .
فإن كل هذه الأسُس توطد علاقات أفراد العائلة ، وتربطهم الواحد بالآخر أكثر فأكثر ، وتجعل منهم جسداً واحداً .
الأمر السادس : أداء حقوق الأب :
عندما يقرّر الإسلام حقوق الأب باعتباره سيد الأسرة ، لا ينسى أن يضع بين يديه قائمة عن الحقوق المفروضة عليه تجاه أفراد العائلة ، من الأولاد ، والزوجة ، على حد سواء ، لكي تتوطَّد العلاقات الزوجية ، والروابط العائلية ، وتبنى على أساس العدالة والمساواة .
فالأب إنما هو كموظف وَكَّلت إليه إدارة ( مؤسسة العائلة ) ضمن حقوق ، وواجبات معينة ، فعليه مسؤولية تشغيل وإصلاح هذه المؤسسة البشرية في إطار تلك الحقوق والواجبات
Add comment مايو 19, 2008
العلاج النفسي في الإسلام
غالبا ما تتمثل الصراعات النفسية في التناقض بين قوى الخير والشر، وبين الغرائز المحرمات، من ذلك الشعور بالذنب والخطأ الذي كثيرا ما يتسبب في القلق والفزع والعدوان واضطراب الطبع والسلوك . بيد أن أصول الشخصية الأساسية في البيئة الإسلامية لا تزال ترتكز على القيم الحضارية المنبثقة من تعاليم الإسلام لأن هذه القيم تبقى من العناصر الرئيسية الواقية من المرض النفسي والمخففة لوطأته عند حدوثه.
وقد أكد الكثير من علماء الإسلام على مفعول تعاليم الدين بقصد ترضية النفس واطمئنانها بواسطة التوبة والاستبصار واكتساب الاتجاهات الجديدة الفاضلة، وأن شخصية المسلم ترتكز على الإيمان بالقضاء والقدر والبر والتقوى وعلى مسئولية الاختيار وطلب العلم والصدق والتسامح والأمانة والتعاون والقناعة والصبر والاحتمال والقوة والصحة الخ، وكل هذه الخصال تشجع على إنماء الشخصية واكتمالها بقصد السعادة النفسية الشاملة.
ومن هنا يتجلى مفعول العلاجات التقليدية في البيئة الإسلامية، الأمر الذي يفرض على الأطباء المحدثين أن يأخذوا هذه الطرق بعين الاعتبار ويدرسونها كي تستفيد ممارستهم الخاصة بتعاليمها وبذلك يحصل التنسيق والتكامل المنشود ويأتي هذا المقالة بعديد من الآيات البينات والقيم الأخلاقية المستخلصة من الحديث النبوي ومن أقوال أعلام الفلاسفة والعلماء المسلمين، في هذا الصدد.
النص
إن الصحة النفسية تهدف إلى تنمية الفرد وجعله قادرا على نشاط مثمر وربط علاقات سوية مع الغير مع التمتع بإرادة ثابتة وعقيدة مثلى ليعيش في سلام وسعادة مع نفسه وذويه والمجتمع بصفة عامة.
وإن الصراعات الباطنية التي يخوضها المرء طيلة حياته من شأنها أن تتسبب في اضطرابات نفسية شديدة إن لم يقع حلها بصفة مرضية وأخطر الصراعات تتمثل في الأنانية المفرطة والرغبات الملحة لتحقيق الشهوات مهما كانت الطرق والحيل المستعملة لهذا الغرض.
وقد أجمع الكثير من العلماء على أن الخطأ هو في الذنب والألم الذي يشربه الإنسان نتيجة ما ارتكبه من أعمال سيئة وقذرة.
وتعتبر هذه لعقدة كعنصر أساسي لتكوين العصابات يعني الأمراض العصبية باعتبار أن مظاهر سوء التوافق النفسي تمثل أمراض الضمير بل هي حيلة دفاعية للهروب من تأنيب الضمير.
ومن أهم الأعراض النفسية المرضية مشاعر القلق والحصر والشعور بالذنب والخطأ أو بالعكس العدوان الظلم والسلوك المضطرب، والمنحرف الخارج عن الإقليم والمقاييس الاجتماعية.
ومن هنا نفهم الروابط والفوارق التي تقوم بين القيم الدينية والتحاليل النفسية الفرودية مثلا حيث أن النظرية الفرويدية يمكن أن تؤدي إلى سيطرة الغرائز في كل الحالات، ولربما تشجع على ذلك في مفهومها السطحي الشائع بينما تحث القيم الدينية على التحكم في الدوافع والتغلب عليها بسيطرة النفس الفاضلة الضمير وهو الأنا الأعلى عند فرويد .
ونفهم إذن كيف لا يسعنا في مجتمعنا العربي الإسلامي وقد أثبتت ذلك تجربتنا الطويلة إلا أن نتماشى مع هذه القيم الدينية الأصيلة التي لا تزال قائمة في النفوس بشكل من الأشكال، وتعالج عادة الفرد من الصراع الذي يتخبط فيه انطلاقا من هذه المقاييس.
وكثيرا ما يكون المريض يفهم خطابنا هذا ولا يفهم كلاما آخر مثل الكلام الغامض المعقد الذي نستخرجه من بعض النظريات شبه العلمية الغربية المصدر والتي لا تنفك باقية يوما بعد يوم عرضة إلى الانتقاد والمراجعة في المجتمع الغربي نفسه.
زد على ذلك كشرط تقني أساسي للتشخيص والعلاج، ضرورة فهم المريض من الداخل والتماشي معه يعني معاعتقاداته وقيمه وإجمالا مع قواعد شخصيته الأساسية وهو السبيل الأفضل لمعاينته الدقيقة ولتركيز تشخيص مرضه بصفة قويمة ثابتة.
هذا وإن الدين الإسلامي كثيرا ما يكون وسيلة لتحقيق الإيمان والسلام النفسي وهو إيمان وأخلاق وعمل صالح وهو الطريق إلى سيطرة العقل وإلى المحبة والسبيل القويم إلى القناعة والارتياح والطمأنينة والسعادة والسلام، وقد أكدت التجربة مزج خلال ممارستنا للأمراض النفسية بتونس منذ ما يقرب من ثلاثين ستة أن اللجوء إلى هذه المقاييس يصبح أمرا حتميا وعملا ناجعا في أغلب الحالات، وذلك بالرغم من تطور المجتمع التونسي السريع وابتعاد بعض الأوساط فيه عن القيم الدينية الأصيلة.
وقد كتب وحلل وألف الكثير من الأطباء والعلماء المسلمين في مجال السعادة النفسية، وإن كل المذاهب الفلسفية الإسلامية التي تعرضت إلى فهم الروح وتحليل جوهرها وماهيتها قد أتت كما هو معلوم بتعاليم قيمة لتحقيق الاطمئنان للأفراد والجماعات، عبر الزمان والمكان. ولنذكر إجمالا هنا تعاليم الخلفاء الراشدين ورجال التصوف وأعلام الفلسفة والفقه والمنطق الإسلامي الذين أصبحت تحاليلهم قدوة للنهضة الفكرية بالغرب أمثال الكندي والفارابي والرازي وابن سينا والغزالي وابن شد وابن النفيس وإسماعيل الجرجاني وابن رشد وابن العربي وابن الجزار ومحمد الصقلي وغيرهم .
ا- طريقة العلاج الديني:
يضع البعض ” العلاج الديني ” الذي يقوم على مبادىء روحية سماوية مقابل ” العلاج النفسي ” الدنيوي الذي يرتكز على السعادة في دار الدنيا بكل جوانبها المادية والأدبية ويقصد بذلك طرق العلاج التي تقوم على أساليب ومفاهيم وضعها البشر ولو كانت نفسية المصدر والأهداف.
لكن الدين يوفر أحيانا الأمن الذي قد لا تستطيع أساليب علم النفس المعاصر أن توفره ، ومع ذلك ففي طرق العلاج النفسي الدنيوي نجد بعض أعلامه يؤمنون بأن الدين عامل هام في إعادة الطمأنينة إلى النفس. فقد أكد كارل يونج أهمية الدين وضرورة إعادة فرص الإيمان والرجاء لدى المريض، وأكد ستيكل أهمية تدعيم الذات الأخلاقية على هذا الأساس. ومن ذلك يصبح الحلاج النفسي الديني أسلوب توجيه وإرشاد وتربية وتعليم. ويقوم على معرفة الفرد لنفسه حسب المبادىء الروحية والأخلاقية العقائدية.
ويمكن أن يمارس العلاج الديني كل من المعالج النفسي والطبيب النفساني وكذلك المربي وحتى رجل الدين على شرط أن يكون هؤلاء على دراية بأمر المصاب ويقع إرشادهم وتطلب مشاركتهم في هذا المجال من طرف الطبيب النفساني الحديث، وهذا الأمر يجري العمل به مثلا في عديد من المصحات النفسية التي تعالج بأوروبا محاولات الانتحار مثل مصحة فيينا المختصة بحالات الطوارىء الانتحارية، ذلك لأن العلاج النفسي الديني ككل العلاجات النفسية بمثابة عملية يشترك فيها المعالج والمريض معا ولمجلل تيسير العلاج الديني على أساس:
أ) الاعتراف،: وهو يتضمن شكوى النفس طلبا للغفران- وكثيرا ما يستعمل الفرد الوسائل الدفاعية اللاشعورية مثل الإنكار والإسقاط والتحويل أو التبرير وغيرها كي يخفف التوتر الذي ربما ينتج عن الشعور بالذنب والخطأ، وعلى المعالج أن يحلل ذلك بكل دراية في الوقت المناسب وبالصيغة المناسبة.
لذا فاعتراف المريض يزيل مشاعر الخطيئة والإثم ويخفف من عذاب الضمير فيطهر النفس المضطربة ويعيد إليها طمأنينتها.
ولذلك يجب على المعالج مساعدة المريض على الاعتراف بخطاياه وتفريغ ما بنفسه من مشاعر الإثم المهددة، على أن يتقبل المعالج ذلك في حياد، ويتبع الاعتراف الرجوع إلى الحق والفضيلة والتوازن النفسي السليم مع الذات .
ب) التوبة: وهي تناشد المغفرة وتمثل أمل المخطىء الذي تحرر من ذنوبه فيشعر الفرد بعدها بالتفريغ النفسي والانفراج.
والتوبة كما يقول الغزالي (في إحياء علوم الدين) لها أركان ثلاثة: علم وحال وفعل.
فالعلم هر معرفة ضرر الذنب المخالف لأمر الله، والحال هو الشعور بالذنب، والفعل هو ترك الذنب والنزوع نحو فعل الخير .
والمعروف أن حجة الإسلام الإمام الغزالي يعتبر من رواد مؤسسي علم النفس الإسلامي ويقول الله عز وجل: { قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم } .
ويقول رسول الله r : ” التائب حبيب الرحمن والتائب من الذنب كمن لا ذنب له “. ومن هنا نفهم مدى أهمية الالتجاء إلى هذه المفاهيم كي يعالج العصابي ” المسلم ” من صراعاته والمكتئب من يأسه وتذنيب ذاته وكذلك السيكوباتي من تكرار أعماله العدوانية الشنيعة وذنوبه المتكررة.
ج) الاستبصار: ومعناه الوصول بالمريض إلى فهم أسباب شقائه ومشكلاته النفسية وإدراك الدوافع التي أدت به إلى حالته المضطربة وفهم ما بنفسه من خير وشر، وتقبل المفاهيم الجديدة مستقبلا بصدر رحب ، ويعني هذا نمو الذات البصيرة. وقال.تالى في هذا الصدد: { بل الإنسان على نفسه بصيرة } . وهذه الطريقة المثلى كثيرا ما تستعمل في عديد من مظاهر العلاجات النفسية المعاصرة بما فيه التحليل النفسي الفرويدي أو طريقة كارل روجيرس الخ.
د) اكتساب اتجاهات وقيم جديدة: ومن خلال ذلك يتم تقبل الذات وتقبل الآخرين والقدرة على تحمل المسئولية وعلى تكوين علاقات اجتماعية مبنية على الثقة المتبادلة والقدرة على التضحية وخدمة الآخرين، وكذلك اتخاذ أهداف واقعية وإيجابية والحياة مثل القدرة على الصمود والعمل المثمر والإنتاج.
وهكذا تتم تنقية الضمير (أو الأنا الأعلى) كسلطة داخلية أو رقيب نفسي على السلوك ويتم تطهير النفس وإبعادها عن الرغبات المحرمة واللا أخلاقية واللا اجتماعية ويستقيم سلوك الإنسان بعد أن تتبع السيئات الحسنات فتمحوها وقال تعالى: { وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين } وقال: { يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية، فادخلي في عبادي وادخلي جنتي } .
2- استخدامات العلاج النفسي الديني:
هذا ويمكن اليوم حسب ما أكدته لنا التجارب استخدام العلاج النفسي الديني في البلاد العربية والإسلامية، وبصفة خاصة والحالات التي يتضح أن أسبابها وأعراضها تتعلق بالسلوك الديني للمريض ، بالإضافة إلى الهذيانات الدينية نفسها بل في غالب الحالات فإن العلاج الديني يفيد كثيرا في نوبات القلق والوسواس والهستيريا وتوهم المرض أو داء المراق والخواف والرهاب والاضطرابات الانفعالية، ومشكلات الزواج وكل الصراعات الفتاكة المبنية على التكالب عن، ملذات دار الدنيا أو على الهرب في وضعية اليأس والانهيار النفسي، وخاصة الإدمان على الكحول الذي يحرمه الدين وحالات الاكتئاب والتشاؤم والمسالك الانتحارية المحرمة أيضا بتاتا في القرآن والحديث، وحتى الوضعية السيكوباتية التي هي مشهورة بشدة تأصلها وصعوبة علاجها.
3- قواعد التربية الدينية في الإسلام:
هذا وإن التربية بمعناها الواسع تشمل عادة صفة من صفات التربية الدينية لاسيما في بلادنا العربية والإسلامية وهي منبثقة من المحيط الأطلسي سواء من الأبوين أو من المدرسة ، ذلك أن تربية الشخص تتضمن تقويمه ني حدود إطار أخلاقي للسلوك وإن القيم الروحية والأخلاقية المنبثقة من تعاليم الإسلام كثيرا ما تهدي الفرد إلى الاستقامة والسلوك السوي ولقد قيل ” من يسلك بالاستقامة يسلك بالأمان ” وفي كل الأحوال يبقى مشكل، سلوك الإنسان مرتبطا بمكارم أخلاقه إن الأخلاق ، المستمدة من الدين تنظم سلوك الإنسان وتهديه إلى الصراط المستقيم وتحاسبه إن هو أخطأ أو انحرف. وقال رسول الله r: ” إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ” وقال على بن أبي طالب رضي الله عنه: ” نعم
الحسب الخلق الحسن “.
وحسن الأخلاق يتماشى مع الاستقرار النفسي وترضية الضمير والكف عن السباق نحو شهوات الدنيا وما ينتج عن ذلك من حسد وحقد وصراع بين الأشخاص وفي نفسيه الفرد بذاته.
4- شخصية المسلم واطمئنان النفس:
ولو أردنا استعراض سمات شخصية المسلم كما حددها الدين لاستغرقنا في الحديث، طويلا فلنكتف ببعض نماذج تستخلص من كلام الله عز وجل وحديث رسوله حول سمات شخصية المسلم.
1- الإيمان بالقدر: قال تعالى: (قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون وهنا ينبغي أن يفسر هذا القول دوما بصفة إيجابية كحث على قبول المصائب بصدر رحب دون الالتجاء إلى مظاهر اليأس والوهن والانهيار أو دون الالتجاء إلى السلوك العدواني المعاكس أو التهجمات المفرطة التي لا يحمد عقباها، ودلا يعني ذلك الاستسلام بل العمل على أن نتعدى أمرنا ونقفز بعد ذلك إلى الأمام لنتغلب على الشدائد والمصائب.
2- مسئولية الاختيار: قال تعالى: { بل الإنسان على نفسه بصيرة } ، وهنا تتجلى حرية الفرد في اختيار مواقفه وسلوكه بكل دراية وهو هدف عديد من العلاجات النفسية المعاصرة.
3- طلب العلم: قال الله تعالى: (فتعالى الله الملك الحق ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه وقل رب زدني علما ) ، ويتضمن ذلك قابلية المؤمن للتوعية والإرشاد.
4- الصدق: قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين ) والصدق فضيلة هامة جدا يرتكز عليها اطمئنان النفس إلى حد بعيد ، ويقاس به مدى انهيارها إذا خلفت ذلك، من ذلك أن بعض الأخصائيين في علم النفس الحديث قد اخترعوا ركائز
لقياس مقدرة الفرد على الصدق والإخلاص استخبار الصدق لهنري باروخ .
5 – التسامح : قال الله تعالى (ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه كأنه ولي حميم } ، والتسامح من الفضائل الهامة لاطمئنان النفس ونيل الارتياح .
6- الأمانة: قال تعالي: (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا ) .
7- الرحمة : قال رسول الله r : ” الراحمون يرحمهم الرحمن ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء ” وهذه الخصال الحميدة لها وزن كبير في سلوك الأفراد الأسوياء والمرضى في آن واحد، ولنذكر هنا بطاعة الوالدين والعناية بهما وبضرورة حسن معاملة الأولياء لأبنائهم ولذويهم على أسس المحبة والرحمة.
8- التعاون : قال الله تعالى: (وتعاونوا على البر والتقوى ) وقال أيضا: (إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون ، وقال: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم ) وقال رسول الله r :” لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ” وفي ذلك أعظم العبر وأسمى التعاليم للتوافق الأسري والاجتماعي الذي ترتكز عليه قواعد الصحة النفسية.
9- القناعة: وهي من أفضل الخصال البشرية التي تنهي عن التناطح العنيف نحو تحقيق السعادة المادية التي لا حد لها ، والتشبع بقيم التنافس القاسي الذي لا رحمة فيه لأحد والذي يتصف به من سوء الحظ عديد من مظاهر المجتمعات العصرية المرتكزة على قاعدة الاستهلاك شرقا وغربا، وقد ازدادت في هذه المجتمعات الأمراض النفسية في الكم والكيف كما هو معروف.
أما القناعة فهي تعالج الاضطرابات النفسية الناجمة عن الحقد والغيرة وكراهية الغير المنافس، ومن جهة أخرى السلوك المنحرف الناتج عن الإحباط وما ينتج عنه من سوء التوافق الفردي مع الذات ومع الغير، وإن كان المسلم يحمد الله فليس لغرض غير. غرض السعادة الروحية والاطمئنان وقبول حالته بصدر رحب مع الملاحظ أن ذلك لا يعني الاستسلام والفشل والركود في الذل والخسارة والخصاصة بل إن القيم الأخلاقية الإسلامية تشجع كما هو معروف من جهة أخرى على الإقدام والإزعاج والابتكار لكن بدون أن تستعمل في ذلك وسائل القهر والعنف والحيل الظالمة والرذائل المكروهة بصفة عامة.
10- الصبر: قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين ) (…. وبشر الصابرين )، ويا لها من عبرة فائقة في هذا الصدد حيث تتكاثر الأمثلة في مجال الطب النفسي التي تبرهن على أهمية الصبر والتحكم في النفس على هذا الأساس.
11- العفة: قال تعالى: ( وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى ) ومن هنا يتجنب الفرد الشر والرذائل على مختلف أنواعها.
12- القوة والصحة: قال رسول الله r : ” المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف.. ” وقال: ” إن الله لم يضع داء إلا وضع له دواء “.
وفي ذلك تشجيع على تقوية النفس وتسييرها نحو الإقدام والشجاعة ومزيد من الفاعلية والتفاؤل للخير مستقبلا وكذلك بقصد تجنب كل بوادر اليأس والانهيار.
هذا وينبغي للطبيب النفسي المسلم المعاصر أن يفهم كل هذه التعاليم والقيم في مظاهرها الإيجابية الفاضلة وفي غاية من الاتزان والاعتدال، ليتمكن من تحقيق التوافق النفسي والرقي البشري للفرد والجماعات في كل المجالات .
ومن هنا نستخلص في آخر الأمر قوة مفعول العلاجات التقليدية النفسية التي تستعمل إلى يومنا هذا في كل الأقطار العربية الإسلامية في زوايا الأولياء الصالحين ، ومن طرف المعالجين التقليديين غير الأطباء الذين يبرهنون أحيانا على مهارة مدهشة وعلى تحكم دقيق في أساليب علاجاتهم الروحانية هذه بينما يعجز بعض الأطباء المحدثين، على أن هؤلاء المعالجين يتصفون أحيانا بالشعوذة والتدجيل من سوء الحظ وعلى الطبيب المعاصر الماهر أن يغربل ما بين الفضائل والرذائل وما بين اللب والقشور، ويستخلص من كل هذه الطرق العبرة والمفاهيم الصحيحة ليركز المريض على أساس إيجابي انطلاقا من اعتقاداته الأصلية وفي فائدته أولا وبالذات.
الوقاية الدينية كن المرض النفسي:
ومن ذلك كله يتجلى أن الإيمان كثيرا ما يكون العقيدة المثلى والسلوك الصالح لاستقرار الأنا واطمئنان النفس ، لكن السلوك الذي يخرج عن الدين أو بالعكس الذي يأخذ شكل العبادة المفرطة يصل أحيانا أمرا خطيرا قد يؤدي إلى الشذوذ والانحراف وإلى مشتبكات نفسية معقدة ومن ذلك ينبغي أن تتضمن الوقاية من المرض النفسي في البيئة العربية الإسلامية الاهتمام بالتربية الأخلاقية، وبتركيز القيم الدينية كدعامة للسلوك السوي وكشرط أساسي للتوافق النفسي والاجتماعي.
والمعروف، أن الدين الإسلامي يوحي بالاهتمام بالحياة الدنيا والآخرة، وبإحداث توازن بين الملذات والماديات والأخلاقيات والروحانيات كي يتم التوافق النفسي.
ولقد قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه ” اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا “.
ولنختم كلامنا بقول الشيخ الرئيس ابن سينا الذي أشار إلى أن أنفع البر هي الصدقة وأزكى السر هو الاحتمال، وخير العمل ما صدر عن خالص نية، وخير النية ما صدر عن الحكمة والفضائل وعن معرفة الله أول الأوائل.
Add comment مايو 19, 2008
اللحية زينة الرجال
قال الحافظ أبو سعد السمعاني رحمه الله تعالى في أدب الإملاء والاستملاء:
|
فإن اللحية هي نعمة جليلة عظيمة تفضل الله بها على الرجال وميزهم عن النساء، وجعلها زينة لهم لما تضفي عليهم من سيما الرجولة والهيبة والوقار.وهي ليست مجرد شعيرات تنبت في الوجه فقط، بل إنها من شعائر الإسلام الظاهرة التي نتقرب إلى الله بإعفائها وتعظيمها، قال تعالى: ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ [الحج:32]، فهي من سنن المصطفى وقد أمر بإعفائها وإرجائها.ولكن على الرغم من كل ما جاء في تعظيمها والأمر بإعفائها إلا أن كثيراً من المسلمين – هدانا الله وإياهم – في هذا الزمن قد احتقروا هذه الشعيرة العظيمة وامتهنوها وحلقوها من وجوههم، والذي لم يحلقها كلها أخذ يتلاعب بها، فمنهم من يجعلها صغيرة على الذقن، ومنهم من يجعلها خفيفة كأنها خط أسود خفيف، ومنهم من يربط شاربه مع لحيته ويجعلها على شكل دائرة!!إلى غير ذلك من الأشكال المحزنة والمضحكة في نفس الوقت والتي لا تليق بأي عاقل أن يفعلها بوجهه، فضلاً عن أن يكون مسلماً قد أمر بتكريمها وإعفائها، وإنه ليندر أن يرى وجه الإنسان المتأدب بآداب الشريعة الذي يبقي لحيته كما خلقها الله، فلا حول ولا قوة إلا بالله.قيمة اللحية ومكانتها عند السلفإن إعفاء اللحية من هدي الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام وكذلك الصحابة الكرام والسلف الصالح رضي الله عنهم أجمعين، فلم يذكر عن أحد منهم أنه كان يحلق لحيته، بل على العكس من ذلك كانوا يعظمونها ويعلون شأنها، كان قيس بن سعد رجلاً أمرد لا لحية له، فقال قومه الأنصار: نعم السيد قيس لبطولته وشهامته ولكن لا لحية له، فوالله لو كانت اللحى تشترى بالدراهم لاشترينا له لحية!!وهذا الأحنف بن قيس كان رجلاً عاقلاً حليماً وكان أمرد لا لحية له وكان سيد قومه فقال بعضهم: وددنا أنا اشترينا للأحنف لحية بعشرين ألف..! فلم يذكروا حنفه ولا عوره وإنما ذكروا كراهية وعدم وجود اللحية عليه، وما ذلك إلا لأن اللحية عند هؤلاء الأخيار تعتبر من الجمال والرجولة والكمال لشخصية المسلم. وكان الواحد منهم أهون عليه أن تزول رقبته ولا تزول لحيته.أما اليوم فكثير من أبناء المسلمين لا يتمنى أن يشترى له لحية بل إنه يدفع الأموال لإزالتها من وجهه، بل قد يود بعضهم لو عدمها نهائياً وساق على ذلك آلاف الداراهم!! نعوذ بالله من ذلك.أدلة تحريم حلق اللحيةقال تعالى: وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللّهِ [النساء:119]، وحلق اللحية أو الأخذ شيء منها هو تغيير لخلق الله وتمثيل بالشعر أيضاً وروي عنه أنه قال: { من مثّل بالشعر فليس له عن الله خلاق } قال أهل اللغة: مثل بالشعر صيّره مُثْلة بأن حلقه من الخدود أو نتفه أو غيره بالسواد.وقال في تحريمها: { خالفوا المشركين، وفروا اللحى، وأحفوا الشوارب } [متفق عليه]، وقال عليه الصلاة والسلام: { جزوا الشوارب وأرخوا اللحى } [رواه مسلم]، وقال : { من لم يأخذ من شاربه فليس منا } [رواه مسلم]. وأمر النبي يقتضي الوجوب.قال ابن تيمية: يحرم حلق اللحية، وقال القرطبي: لا يجوز حلقها ولا نتفها ولا قصها، وقال عبدالعزيز بن باز: إن تربية اللحية وتوفيرها وإرخائها فرض لا يجوز تركه.وحلق اللحية ليس من الأمور الصغيرة كما يتوهمه البعض، بل ربما يكون حلقها أعظم إثماً من بعض المعاصي الأخرى، لأن حلقها يعتبر من المجاهرة بالمعصية، وقد لا يتعافى حالقها ولا يغفر له بسبب هذه المجاهرة لقوله : { كل أمتى معافى إلا المجاهرين }.إضافة أيضاً إلى أن كراهية اللحية أو الإستهزاء بها وبأهلها يخشى على فاعله من الردة والكفر والعياذ بالله، لأن من نواقض الإسلام الاستهزاء والسخرية بهدي النبي أو كراهية ما جاء به، وحلق اللحية قد ينم على كراهيتها والتخلص منها، وكراهيتها قد يكون أيضاً سبباً لحبوط الأعمال كما في قوله تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ [محمد:28]، فليحذر المسلم من أن يحبط عمله، أو أن يخرج من الإسلام وهو لا يشعر.__________________
|
1 comment مايو 12, 2008
الخلل في مفهوم الوسطيَّة
من الأخطاء العقدية أن بعض الناس إذا رأى المستمسك بدينه، المحافظَ على السنة قال له : لا تشدد وكن وسطاً، وهذا من المفاهيم الخاطئة؛لأن مؤدَّى ذلك نقد منهج النبي صلى الله عليه وسلم وسلف هذه الأمة.
وهنا جملة أمور:
أولاً : إن الوسط ورد في القرآن في قوله تعالى : { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} [البقرة: من الآية143]
والمعنى : أن أتباع محمد – صلى الله عليه وسلم- هم وسط بين الأمم كاليهود والنصارى وغيرهم.
كما ورد الوسط أيضاً في منهاج أئمة السنة والجماعة، وذلك حينما يقولون أهل السنة وسطٌ بين الطوائف المنحرفة، والمبتدعة .
فمثلاً: في باب محبةِ أصحاب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- هم وسط بين الروافض والنواصب ، وأيضاً في باب الإيمان ومسائل الأحكام هم وسط بين الوعيدية والمرجئة ، بين المتشددين منهم الغالين والمفرطين المقصرين ، وهم وسط في باب القدر بين القدرية والجبرية . وهكذا فهم وسط بين الطوائف جميعاً .
ثانياً : أن المتمسكَ بسنة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- مستمسك بالوسطية، لأن سنة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ليس فيها غلواً ولا تقصيراً.
ثالثاً : أما ما يرد عند عامة الناس ونحوهم من قولهم : كن وسطاً في دينك ، فهذا فيه تفصيل ، فإن قُصد به ترك السنن وترك التزامها في العبادات والمعاملات واللباس وغيرها، فلا شك أن هذا باطل ؛ لأن الحق إنما هو الالتزام بالسنة .
أما إن وجّه إلى من غلا في السنَّة وجاوز الحد فيها أو قّصَّر ، وقيل له : كن وسطاً، فهذا صحيح، لكن له أمثلة خاصة، كمن قال في عهد النبي صلى الله عليه وسلم: لا أتزوج النساء، حيث قال له النبي صلى الله عليه وسلم ولأمثالهم : {أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له ، لكني أصوم وأفطر ، وأصلي، وأرقد ، وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني} [أخرجه البخاري: ( 5063)، ومسلم: ( 1401)].
ويقابل هؤلاء أولئك الذين يتركون جميع النوافل ، نوافل الصلاة والصيام والزكاة والأذكار، ويؤدِّي ذلك إلى تقصيرهم في الفرائض وغيرها ، هذا أيضاً مقصّر .
فالأول قد أفرط في جانب، والثاني قد فرّط وأهمل وقصّر ، والوسط هو الصحيح.
والخلاصة : أن هناك مفهوم خاطئ في مصطلح الوسطيَّة وهذا المفهوم الخاطئ نطبقه أحياناً على بعض الناس بمنهج خاطئ، وذلك حينما نأتي إلى من التزم بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في لحيته، وفي لباسه، وفي صلاته، وفي سائر أموره، فنأتي ونقول له: لا تشدد وكن وسطاً ، فهذا مفهوم خاطئ .
وهذا طرف من الخلل في هذا المفهوم وإلا فهو باب واسع والخلل فيه ظاهر، ولعل الله أن ييسِّر طرقه لاحقاً.
بقلم / وليد بن حمد المرزوقي
Add comment مايو 12, 2008
الإيمان
تغيير النفوس أمر ليس بالهين اليسير , إنه عبء ثقيل تنوء به الكواهل . إن من أصعب الأمور وأشقها أن يغير الإنسان نفسه أو قلبه أو فكره ولكن هناك شيء واحد هو صانع العجائب!
شيء يستطيع أن يغير النفس تغيراً تاماً وينشئها خلقا آخر . فيغير أهدافها ووجهتها وسلوكها .
ذلكم الإيمان يا أهل الإيمان نعم الإيمان وحده إذا سكن النفس وتغلغل في القلب حول اتجاهه وغير نظرته للكون والحياة وعدل سلوكه مع الله والناس مباشرة . ولم يحتج إلى مراحل وسنوات لهذا التغيير
إن من المتعارف عليه – أن هناك سنا معينة لقبول العادات , واكتساب الأخلاق .. هي سن الطفولة . فإذا كبر المرء أو المرأة فهيهات أن يحدث فيه تغيير يذكر . فمن شب على شيء شاب عليه .
وينفع الأدب والأحداث في صغر ……………وليس ينفع عند الشيبة الأدب .
إن الغصون إذا قومتها اعتدلت ……………..ولن تلين إذا قومتها الخشب
ولكن الإيمان وحده لا يعترف بهذه القاعدة التربوية فما إن يخالط الإيمان بشاشة القلوب إلا وينفجر فيها منابع الخير والهدا
هل أتاكم حديث سحرة فرعون , لتستمع إلى قصتهم وكيف حدث فيهم ذلك التغيير الكبير
(قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ * يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ * فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ * وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ * لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ * فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَإِنَّ لَنَا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ * قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذاً لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ * قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ * فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ * فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ * فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ * قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ) .
فتهددهم وتوعدهم فرعون وقال . ( قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ * لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ) . فماذا ردوا ؟ (قَالُوا لا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ * إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ) (الشعراء51)
فسبحان الله كيف انقلبت موازينهم! لقد لامس الإيمان قلوبهم لقد كانت هزةً رجتهم رجاً وخضتهم خضاً فأزالت عن النفوس ركام الضلال وجعلها عامرة بالإيمان في لحظات قصار .
وإلى قصة أخرى نرى فيها ما يصنع الإيمان في هذه القلوب إذا آمنت بالله علام الغيوب .
روى مسلم أن رجلاً كان ضيفاً على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر له بشاة فحلبت . فشرب من حلابها . ثم أمر له بثانية . فشرب حلابها . ثم أمر بثالثة فرابعة حتى شرب حلاب سبع شياه وبات الرجل وقد كان متفتح قلبه للإسلام . فأصبح مسلماً معلناً إيمانه بالله ورسوله وأمر الرسول صلى الله عليه وسلم له الصباح بشاة فشرب حلابها ثم أخرى فلم يستتمه , وهنا قال الرسول صلى الله عليه الصلاة والسلام إن المؤمن ليشرب في معى واحد , وإن الكافر ليشرب في سبعة أمعاء
فما بين يوم وليلة تحول الرجل من شره ممعن في الشبع حريص على ملء بطنه إلى رجل قاصد عفيف قنوع فماذا تغير فيه ؟
وليس تأثير الإيمان خاصاً بالرجال فحسب , بل تعدى ذلك إلى النساء !
فهذه الخنساء المرأة التي فقدت في جاهليتها قبل أن تؤمن فقدت أخاها [صخراً ] فملأت الآفاق عليه بكاء وعويلاً وشعرا حتى ترك الزمان لنا منه ديواناً:
يذكر ني طلوع الشمس صخرا واذكره بكل غروب شمس
ولولا كثرة الباكين حولي على إخوانهم لقتلت نفسي
ولولا كثرة الباكين حولي على إخوانهم لقتلت نفسي
ولكنها بعد إسلامها نراها امرأة أخرى .. نراها أماً تقدم فلذات إلى ساحات الموت .. راضية مطمئنة .. بل محرضة دافعة ..
ففي معركة القادسية وفي ليلة حاسمة باتت مع بنيها الأربعة تحثهم على القتال في سبيل الله .
إي بني , إنكم أسلمتم طائعين , وهاجرتم مختارين . والذي لا إله إلا هو إنكم لبنو رجل واحد . كما أنكم بنو امرأة واحده . ما خنت أباكم . ولا فضحت خالكم ولا هجنت حسبكم ولا غيرت نسبكم وقد تعلمون ما أعد الله للمسلمين من الثواب الجزيل في حرب الكافرينواعلموا أن الدار الباقية خير من الدار الفانية والله تعالى يقول . (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)(آل عمران)
فإذا أصبحتم غداً إن شاء الله سالمين . فاغدوا إلى قتال عدوكم مستبصرين وبالله على أعدائكم مستنصرين فإذا رأيتم الحرب قد شمرت عن ساقها فتيمموا وطيسها وجالدوا رئيسها تظفروا بالغنم في دار فلما أصبحوا باشروا القتال بقلوب فتية .
وأنوف حمية ..إذا فتر أحدهم ذكره إخوته وصية الأم العجوز فزأر كالليث وانطلق كالسهم وانتفض كالصاعقة وظلوا كذلك حتى استشهدوا واحدا بعد واحد فقتلوا جميعا الأربعة .
وبلغ الأم مصرع الأربعة الأبطال في يوم واحد فلم تلطم خداً ولم تشق جيباً ولكنها استقبلت النبأ بإيمان الصابرين وصبر المؤمنين وقالت كلمتها المشهورة :
[ الحمد لله الذي شرفني بقتلهم , وأرجو من ربي أن يجمعني بهم في مستقر رحمته ].
فما الذي غير خنساء النواح والبكاء إلى خنساء التضحية والفداء
وذاك الفاروق عمر الذي بلغ في جاهليته من انحراف العقل أن عبد الصنم من الحلوى ثم جاع يوماً فأكله . ومن انحراف العاطفة أن وأد بنتاً له صغيرة كانت تمسح الغبار عن لحيته وهو يحفر لها مكانها في التراب . فإذا به بعد أن خالط الإيمان قلبه يبلغ من سمو عاطفته ورقة قلبه وخشيته لله ما ملأ صفحات التاريخ بآيات الرحمة للإنسان بل وللحيوان حتى قال :[ لو عثرت بغلة بشط الفرات لخشيت أن يسألني الله عنها لم لم تسوي لها الطريق ] .
وتلك الأمة العربية رعاة الإبل والشاة إذا بهذه الأمة تتحول من رعاة غنم إلى قادة أمم ومن قبائل بداوة إلى أمة حضارة ، ومن عبادة الأوثان إلى عبادة الواحد الديان
إن الرجوع إلى الإيمان بالله وبالآخرة هو الأمل الوحيد في خلاص الإنسان مما يعانيه اليوم إن الإيمان الحق هو الحل الوحيد لما تعانيه الإنسانية اليوم من ضياع وشتات وضلال .
إنه الحل الوحيد لتغيير هذه النفوس وتهذيب أخلاقها وإحياء ضمائرها ولكن الأمر لن يكون نزهة سهلة في طريق معبد مفروش بالورود إنما هي رحلة شاقة في طريق مليئ بالأشواك
الدكتور : عبدالله حماد القرشي من موقع حب الإسلام
Add comment مايو 9, 2008